
في عالمٍ مزدحم يختنق بأنفاسه، وبين ضجيج المدن الذي يتسلّق الجدران، كنتُ أمشي وأحسب الخطوات على أرصفةٍ لا تحفظ الذاكرة. هذه الشواهق عن يمينٍ ويسار، كأنها جبالٌ من زجاج وفولاذ، تلمع في وضح النهار ولا تمنح ظلاً إلا لمن نسي اسمه. كل نافذة فيها عينٌ مفتوحة على فراغٍ كبير، وكل طابقٍ قصة قصيرة قُطِعَت نهايتها على عجل.
للأسواق صوت، نعم، لكنه ليس صوت الباعة وحدهم. هو قرعُ أكياس، وهمساتُ صفقاتٍ صغيرة، ونداءاتٌ مكسورة على حبالٍ من ضجر، وضحكاتٌ كالمعلّبات، تُفتح عند الدفع وتُغلق عند باب المتجر. ثمة موسيقى حائرة تتسرّب من سماعةٍ معطوبة، تصاحبها خطواتٌ تُسابق العروض الموسمية، وكأن المدينة تبيع وقتها بالتقسيط، وتشتري صمتها بالدين.
ماذا عن الشتاء هنا؟ هو ليس بارداً بما يكفي ليجمع الناس حول مدفأةٍ واحدة، ولا دافئاً بما يكفي ليترك الشرفاتَ مفتوحة على النهار. مطرٌ تائهٌ لا يحفظ طريقه، ويلمع على الإسفلت ويغيب في البال. الهواء يُلوّح بمعطفٍ لا حاجة له، والسماء تُمسك سحابها مثل أمٍ مترددة، لا تجيد المنع ولا تعطي الإذن. حتى الريح تمشي على استحياء، تخشى أن تُفسد تسريحاتِ العابرين أو ترتّب أفكارهم.
في التقاطع الثالث، حيث يختلط العطر برائحة محل العطارة، رأيت عجوزاً يطعم الحمام حبّاتٍ من ذاكرته. يبتسم وهو يحدّثهم عن شتاءٍ قديم كان يُقرِّب المسافات، وعن أسواق كانت تُنادي بأسماءٍ لا بأرقام. قلت له: المدينة تكبر. قال: بل نحن نصغر، ونعلّق ما تبقى منا على شماعة المواسم.
واصلتُ طريقي. على لوحةٍ إلكترونية فوق الشارع، يركض الزمن بخطٍ أخضر، يُعلن عن وصولٍ مؤجَّل. لقد اختفت سيارات الأجرة، والحافلات تبتلع العيون ثم تعيدها أكثر زجاجاً. رجلٌ على الرصيف يبيع معاطف لا تُقاوم البرد، وفتاةٌ في المقهى تكتب رسالةً لا تنوي إرسالها. كل شيءٍ يعمل بدقّة ساعة، لكن لا أحد يعرف لمن يدوّي الجرس عند اكتمال الدورة.
في مفترقٍ آخر، أغلقتُ عينيّ لأسمع المدينة دون صورها. سمعتُ نبضاً مختلطاً، كأنها تنام بعينٍ وتستيقظ بالأخرى. سمعتُ طفلاً يضحك في طابور، وامرأةً تساوم على نبتةٍ صغيرة تريد أن تُؤثث بها زاوية الضوء في بيتها. سمعتُ من بعيد مؤذناً يجرّ الحروف جراً من حنجرةٍ مُتعبة، ورجلاً يردد خلفه بصوتٍ منخفض، كأنه يحفظ نفسه من الانطفاء.
فتحتُ عينيّ، والشتاء ما زال لا يبرد بما يكفي. مددتُ كفي إلى هواءٍ رمادي، أبحث عن نصل بردٍ يقطع هذا الضجيج من المنتصف، عن لحظةٍ تتساقط فيها المدينة كثلجٍ على كتف الكلام. لكني لم أجد إلا دفئاً خفيفاً يشبه اعتذاراً متأخراً، وشاهقاً جديداً يرتفع حيث كان بالأمس فراغٌ صالحٌ للتنهيدة.
قلت لنفسي: ربما البرد الحقّ في الداخل، حيث تنكمش الذكريات وتبحث عن أغطيةٍ من قصصٍ تُحكى. وربما الأسواق لها صوتٌ لأنها تخشى الصمت، والصمت حين يأتي يطالبنا بالحساب. أما هذه الشواهق، فليست إلا مرايا طويلة، كلما مررنا أمامها رأينا ظلّاً أطول من أعمارنا، وأقصر من رغباتنا.
ومع ذلك، وُلدت في حافة الرصيف زهرة، شقّت الأسفلت بحرفٍ صغير من أمل. لأقول لها: في عالمٍ مزدحم، بين ضجيج المدن، يكفي أن تومضي زهرةٌ واحدة، ليصير الشتاء بارداً بما يكفي كي نلتصق، ودافئاً بما يكفي كي لا نتجمد. ثم مضيت، أعدّل الوشاح حول عنقي، ولا أنوي على شيء!

