
تميل الكثير من النقاشات حول نضج ممارسات الموارد البشرية إلى التركيز على العوامل الداخلية؛ إذ تعيد كثير من الإخفاقات إلى ضعف المؤهلات أو غياب المتخصصين أو تراجع المهارات والقدرات. ورغم أن هذا منظور مهم، إلا أنه ضيق ويتجاهل أثر العوامل الخارجية. فما المقصود؟
لنفكّر عبر مثال مقارن: كيف تبدو ممارسات الإدارة المالية في الجهات غير الربحية؟ هل تمتلك المستوى نفسه من النضج الموجود في الجهات الربحية؟ وهل تواجه النوع ذاته من التحدّيات في حساب الأرباح والخسائر، والتدقيق، وإدارة التدفقات النقدية، والتعامل مع الهوامش والرافعات، والامتثال للمتطلبات التشريعية والإفصاحات، وفي الحدّ الأدنى؛ التعامل مع هذه القضايا بوصفها مسائل مصيرية؟ من الواضح أن السياق الخارجي يفرض على الإدارة المالية سقف أعلى من الانضباط والتطوّر، بحكم ضغط السوق والرقابة والمعايير.
الأمر ذاته ينطبق على الموارد البشرية. عندما لا يرى القادة إدارة الموارد البشرية كشريك استراتيجي، ولا يضعونها في قلب التحدّيات التنظيمية لتشاركهم القيادة والتأثير، فإن فرص تطوّرها ونضج ممارساتها تتضاءل. ومع ذلك، نلاحظ أن بعض الجوانب العملياتية في مثل؛ إدارة العقود والأجور، قد تحسنت بفعل الامتثال للأنظمة والتشريعات المستحدثة (قوى، مُدد، منصة التأمينات)؛ أي عبر قوة دفع خارجية لا داخلية.
وعليه، فالعوامل الداخلية مهمة، لكنها لا تتفوّق بالضرورة على الخارجية؛ بل قد تفوقها الأخيرة وزناً وعمقاً في تشكيل النضج. للأسف أن هذا التحليل يغيب عن كثير من الممارسين والزميلات والزملاء في المجال، فيتأثر أداؤهم تبعاً لذلك: فريق يكتفي بواقع الدور كما هو، وآخر لا يبادر لإثبات القيمة ويكتفي بتلقي الأوامر، والعمل كأي موظف تقليدي، وهنا تتفاقم المشكلة. بل وسيكون الثمن باهظاً مع ظهور ممارسات أكثر تقدّم مع دخول شركات واستثمارات أجنبية إلى السوق! ليكون في انتظارهم الكثير المؤشرات، والأخبار السيئة!
المبدأ وبوضوح: لا يرتفع نضج ممارسات الموارد البشرية بمجرد تطوير القدرات الداخلية فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى تموضع مؤسسي صحيح، وضغط خارجي منظّم، وتوقعات قيادية تعترف بقيمتها كشريك استراتيجي في توجيه المنظمة وتحقيق الأثر!

