عن الجد الخامس الذي نجهله

حين أفكر في الجد الخامس، لا يراودني فضول الأنساب بقدر ما يراودني قلق المصير. فذلك الرجل الذي كان، في لحظة ما، مركز عالمه الصغير، ودارت حوله مطالب الحياة اليومية، وعرف الناس اسمه، وربما خافوا غضبه أو طمعوا في رضاه، انتهى الآن إلى فراغٍ واسع في الذاكرة. لم يبق منه في وعينا شيء يُذكر تقريباً. وهذه الفجوة بين امتلاء الحياة من الداخل وتلاشيها من الخارج تكشف شيئاً يتجاوز حكاية الجد نفسه؛ تكشف جانباً من مجتمع يستهلك أعمار أفراده في أدوار متكررة، ثم يطويهم بهدوء، كأنهم أدوا وظيفة عابرة ومضوا.

ومن هنا يتحوّل تأمل هذا الجد عندي إلى نوع من المراجعة الذاتية: أيغدو الإنسان مجرد حلقة تؤدي ما عليها من واجبات كما ورثتها، ثم تسلمها لمن بعدها؟ أتصور أن كثيراً من الناس يعيشون مطمئنين داخل هذا النسق؛ يعملون، ويجمعون، وينجبون، ويحافظون على صورتهم في عيون المحيطين بهم، ثم يتركون العالم كما دخلوه تقريباً، من غير أثر يجاوز حدود الاستمرار البيولوجي. ولعل الأزمة الأعمق أن المجتمع ينظر إلى هذه الحياة بكثير من الرضا، لأنها منضبطة، ومألوفة، وقابلة للتكرار.

أما أنا، فكلما فكرت في هذا الجد المجهول، شعرت أن خوفي الحقيقي يتصل بأن أعيش عمراً كاملاً وأنا أؤدي ما ينتظره الآخرون مني، ثم أكتشف أنني مررت في الدنيا مروراً حسن التنظيم، قليل المعنى.