
لا يحدث صعود “المهن التافهة” عرضاً، ولا يُردّ إلى ضعف أخلاقي فردي أو كسل مقنّع. إنه، في جوهره، علامة زمن؛ كما يصفه ديفيد غرايبر (Bullshit Jobs: A Theory: 2018). نلحظ اليوم مؤسسات رشيقة على الورق؛ مُثقلة في الواقع بطبقات من التنسيق ورفع التقارير والتقييم، كما نصادف فيها جيوشاً من المسميات البرّاقة: مسؤول، قائد، مدير، مستشار، وفي الأروقة؛ تتدّفق رسائل البريد الإلكتروني، وتتناسل الاجتماعات، وتُصنع التقارير عن التقارير؛ حتى ليخيَّل للمرء أن الحركة صارت غاية بذاتها، وأن الضجيج دليل على وجود أمر ما. من هنا يبدأ السؤال: متى تحوّل العمل من جهد يُحدث فرقاً إلى انشغال يبرّر نفسه بنفسه؟
ثمّة منعطف نفسي-اجتماعي لا بد من تسميته. كانت الأخلاق قديماً تحفّزنا عبر سلسلة من الأوامر والنواهي: افعل ولا تفعل. أما نحن فأبناء زمن يهمس لنا بلا انقطاع: نعم، أنت تستطيع. هذا الهمس الناعم، كما يصفه بيونغ-تشول هان (The Burnout Society: 2015)؛ يحوّل الفرد إلى مشروع قيد التحسين الدائم. فكل توقف يُقرأ خيانة للذات، وهكذا يولد ذنب جديد: ذنب الراحة، ذنب الهدوء، وما الذي يغذّي هذا الذنب أفضل من وظيفة تتيح لك أن تكون مشغول دائماً؟ وظيفة تمنحك مؤشرات ومواعيد نهائية ورسائل عاجلة، حتى لو لم تغيّر شيئاً خارج الشاشة. إنها مهنة تعطيك شعوراً بالتقدّم دون أن تتقدّم، وتمنحك صورة الحركة دون أن تتحرك.
التفاهة هنا ليست شتيمة. هي وصف لعلاقة منقطعة بين الجهد والمعنى. يعمل المرء ساعات طويلة ولا يجد أثراً يمسكه بيده. يُستبدل حلّ المشكلات بإدارة الانطباع، ويُختزل الواقع إلى لوحة مؤشرات، وكل ما يمكن قياسه يُعامل كحقيقة نهائية دون ملابسات، وكل ما لا يقبل القياس يُدفع إلى الظل: الرعاية، الإصغاء، القدرات الكامنة، والمعرفة الصامتة التي لا تُختزل في أرقام. هكذا تنتفخ أدوار: منسقون على منفذين، ومشرفون على ممارسين، ومراقبون على عاملين. لا لأن هذه الأدوار شريرة في ذاتها، بل لأن بيئة الحوافز تجعلها تعيش بلا ضرورة، تستمد شرعيتها من قدرتها على الكلام عن العمل أكثر من القدرة على الإنجاز.
لماذا تحتاج بعض المنظمات إلى هذه المهن؟ لأنها تؤدي ثلاث وظائف حاسمة داخل البنية المؤسسية الضعيفة. أولاً، تعمل كإسفنجة امتصاص للتوتر: تمنح رواتب ورأسمالاً رمزياً يؤجلان سؤال الجدوى والمعنى إلى إشعار آخر. ثانياً، تؤدي دور أداة ضبط: الموظف المنشغل بلا توقف أقل ميلاً للاعتراض. وثالثاً، تقوم بدور مرآة تجميل: فرق الابتكار والعافية والتحوّل الرقمي تُنعش الواجهة بينما تبقى الآليات العميقة على حالها. في هذا المسرح المؤسسي، يتحوّل الإرهاق نفسه إلى آلية دفاع: من يجرؤ على مساءلة الغاية وهو مُنهك؟ ومن يجد وقتاً للتفكير وهو ينتقل من اجتماع إلى آخر؟
الثمن؟ اغتراب مزدوج. يغترب الفرد عن نتاجه لأنه لا يراه ولا يمسّه، ويغترب الجميع عن أولوياته، ويحفّز الجميع على إدارة الصورة لا على صناعتها، ومع الاغتراب يأتي الشعور المتناقض: إذا توقفتَ، وخزك الذنب؛ وإذا واصلتَ، صفعتك الخفة. مما ينتج لدينا أناساً متعبين لا مثمرين، ومؤسسات صاخبة لا فاعلة.
قد يُقال: وما الحل؟ حسناً. لسنا بحاجة إلى بطولات أخلاقية بقدر ما نحتاج إلى انقلاب في المعايير. أن نسأل عمّا يتغيّر لا عمّا يتحرّك. أن نُعيد الاعتبار لما يستحق ألا يُقاس، وأن نضع حدوداً للقياس بدل أن نوسّعه حتى يخنق القيمة. أن يجرؤ الفرد والمؤسسة على قول لا: لا لمشروع يستهلكنا بلا أثر، لا لاجتماع يؤجل الحقيقة، لا لإشعال مصابيح النشاط ليل نهار. وأن نعيد قراءة الإرهاق: ليس كل عيب فردي يُعالَج بدورات “عقلية النمو”، بل هو عرضٌ لنظام يطلب من الإنسان أن يكون آلة أداء بأدوات تحفيز ناعمة.
ليست الدعوة هنا إلى كراهية العمل، بل إلى مصالحة العمل مع معناه. إلى أن نفضّل بطئاً مُنتجاً على سرعة عمياء، وفعلاً صغيراً يغيّر شيئاً على مبادرات عملاقة تغيّر العناوين فقط. وحين تنكسر هالة الانشغال كفضيلة، سنرى المهن التافهة على حقيقتها: سدوداً من ورق تحجز سيلاً من طاقة بشرية كان يمكن أن تروي حقولاً عطشى. يوم نعيد وصل الجهد بالجدوى، ونُعيد للفراغ مكانه كشرط للإبداع، سيخفت الضجيج، وربما نسمع أخيراً شيء ما عن العمل: بسيط، متقشف، لكنه حقيقي.

