المدير الجيّد يكتب بشكل جيّد!

على امتداد سنوات من مراقبة أداء المديرين، تكرّر أمامي نمط يصعب تجاهله: المدير الجيّد يكتب جيّداً، والمدير السَيِّئ يكتب كتابةً رديئة. بل أدقّ من ذلك: أفضل المديرين الذين عرفتهم كانوا لامعين في الكتابة، وأسوأهم كانوا ضعفاء فيها على نحو فاضح. هذا التباين أثار لدي سؤالين: لماذا يحدث ذلك؟ وما الذي يترتّب عليه؟

لماذا يجيد المديرون الجيّدون الكتابة؟

  • لأنها تفكير بصوت واضح.
  • لأنها التزام بأفكار راسخة وشفافة.
  • لأنها تستلزم تواضعاً وتقبّلاً للنقد.
  • لأنها تستلزم التعايش مع الغموض واتخاذ قرارات رغم عدم اليقين.

الكتابة هي التفكير

الكتابة الجيدة ليست تزييناً لغوياً؛ إنها عملية تفكير منظّم: استقبال للعالم، وتأمّل في معطياته، ثم تحويل ذلك إلى قيمة مفهومة للآخرين. المدير الجيّد يحتاج القدرة نفسها: يتعامل مع واقع متعدد الأبعاد، ويستخرج منه رؤيةً قابلة للتطبيق، ويقدّمها بأسلوب يسهُل على فريقه استيعابه والتحرّك بناءً عليه. بهذا المعنى، تتقاطع الكتابة الرصينة والإدارة الرشيدة في جوهرهما: وضوح الإدراك، ودقة الحجّة، والقابلية للتنفيذ.

الكتابة التزام وشفافية

بينما المدير السَيِّئ متقلّب ومراوغ: يهرب من المسؤولية، ويقتات على اللوم، ويعيد تشكيل الحقائق بما يخدم سرديته. ولتحقيق ذلك، يتجنّب التصريحات الواضحة حول قناعاته وتشخيصاته وخططه. على النقيض، الكتابة إعلان موقف: هذا ما أؤمن به، وهذه فرضياتي، وهذه توصياتي، وأنا أتحمّل تبعاتها. حين يرسّخ المدير ثقافة الكتابة، يصنع على الأقل واقعاً متسقاً يعيش فيه الفريق. هذه الشفافية والثبات مادةٌ تُبنى عليها الشركات، وتُقاس بها المصداقية.

الكتابة تستلزم تواضعاً

الكتابة الجيّدة لا تنضج إلا بالمراجعة والتغذية الراجعة. الكاتب المتمكّن؛ وكذلك المدير الجيّد: يطلب النقد ويستوعبه، يحرّر مراراً ليبلغ أفضل صياغة لأفضل فكرة. لديه الشجاعة لرفض ما لا يضيف، والذكاء لدمج ما يثري. في المقابل، يخشى المدير الضعيف المراجعة الصريحة: سلطته تتغذّى على تجنّب التحدّي. أمام النقد، إما يبرر ويتنصّل من مسؤوليته، أو يرفضه كله فيتعطّل تعلمه؛ وفي الحالتين يفتقر إلى نزاهة الحكم ودقّته.

الكتابة تعايشٌ مع الغموض

لا توجد صيغة نهائية تحكم جودة الكتابة، كما لا توجد خوارزمية مضمونة للإدارة. كلاهما فنٌّ يتعامل مع احتمالات، وتوازنات، وتقديرات نسبية. إلا أنه من الثابت أن المدير السَيِّئ يرى العالم ثنائياً: فوز/خسارة، صواب/خطأ؛ هذا الاختزال يمنحه راحة زائفة ويكلفه فهماً عميقاً. أما المدير الجيّد فيزدهر وسط التعقيد: يعترف بالتضارب، ينسّق بين المتغيرات، ويصل إلى نتائج عظيمة دون تسطيح للنَّاس والوقائع. الكتابة الجيّدة والإدارة الجيّدة كلاهما نجاحٌ بالرغم من التعقيدات.

وماذا بعد؟: إذا كان حسن الإدارة يستلزم حسن الكتابة، فثمة نتائج عملية:

  • اعتماد منهجية التقييم الكتابي خلال المقابلات مع المديرين، وتكليفهم بالكتابة؛ وإن لم تكن شائعة. إلا أنها تُعد مؤشراً بالغ الدلالة على وضوح التفكير، ودقّة التشخيص، وجودة صناعة القرار.
  • إن كنت مديراً وتتجنب الكتابة أو تشعر بحاجة ماسة إلى تحسينها، فاكتب أكثر. الكتابة من المهارات القليلة التي يتحسّن أداؤها بالتكرار وتنتقل معك أينما ذهبت. ستصير مديراً أفضل، وبالتأكيد أوضح أثراً في كل ما يتطلبه عملك من تواصل.

هوامش سريعة

  • أراهن أن إجادة الكتابة شرط شبه مسبق للنجاح في كل دور قيادي يستهدف العمل مع موظفين معرفيين ذي الياقات البيضاء، وبأعداد كبيرة.
  • ليست الكتابة المتقنة لازمة لكل مهنة؛ تقلّ الحاجة إليها حين تقل التفاعلات. يمكنك أن تكون رساماً بارعاً وكاتباً متواضعاً دون تناقض. لكن كلما ازدادت مسؤوليتك عن عقول ونتائج جهود الآخرين، ازدادت كلفة ضعفك في الكتابة.

الخلاصة

الكتابة ليست ملحقاً للإدارة، بل هي أحد تعاملاتها الأساسية: وضوح في التفكير، التزام في الموقف، تواضع في المراجعة، ونضج في التعامل مع الغموض. حين نُحسّن كتابتنا، نُحسّن إدارتنا؛ وهذا استثمار لا يخيب!

المقال الأصلي – بتصرف: https://staysaasy.com/management/2022/07/10/Writing-Management.html