
لأن الخوف ليس سوراً يمنعنا بقدر ما هو مرآة تعكس حدود تصورنا عن أنفسنا. فما نخشاه غالباً يحدّد شكل الحقل الذي لم نحرثه بعد، والعتبة التي لم نعبرها. أن نمضي في اتجاه الخوف يعني أن نعيد رسم خريطتنا الداخلية بحيث لا تتوقف عند عناوين العجز، وتمتد إلى ما وراءها.
الخوف في جوهره جهاز إنذار قديم، صُمّم ليبقي الكائن حياً. لكنه حين يُترك دون مراجعة يتحوّل من إنذار إلى قيد، ومن وسيلة حماية إلى آلية تعطيل. ليس المطلوب إلغاء الخوف، فذلك ضرب من العمى، ولكن المطلوب تحويله من رئيسي إلى ثانوي؛ أي أن نصغي إليه دون أن نخضع له. المضي قدماً في ما نخاف هو فعل سيادة على الذات، لا نفيٌ للانفعال. إنه انتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن التوجس إلى القدرة على الاختيار.
ثمة فرق بين الشجاعة والتهوّر. التهوّر يقفز من فوق المعطيات، أما الشجاعة فتدخلها وتعيد ترتيبها. لذلك فالمقاربة المتوازنة لا تدعو إلى اقتحام كل ما يخيف بلا نظر، ولا إلى تجميد الحياة في منطقة الأمان. إنما تدعو إلى اكتشاف أن كثيراً مما نخافه هو تضخيماً للغموض أكثر بكثير من أن يكون خطراً حقيقياً. فالمجهول يُربك المخيلة، والخوف ابن الخيال لا الواقع وحده، وحين نقترب، ينكمش الطيف إلى شيء يمكن تسميته وفهمه.
المضي نحو ما نخاف يحرّر اللغة التي نصف بها أنفسنا. فالإنسان يحيا في سردٍ يرويه: “أنا الذي لا أقف أمام الجمهور”، “أنا الذي يفشل في العلاقات”، “أنا الذي لا يغير مهنته”. هذه العبارات هي جملٌ شديدة الإقناع لأنها متكررة، وتتجاوز الحقيقة، وحين نعرّضها للاختبار عبر خطوة صغيرة في قلب ما نخاف، تتصدّع السردية وتتولّد الحقيقة: “نعم أستطيع”. وهكذا نغيّر النحو الذي تتشكل به هويتنا، ونخرج من الخوف.
الخوف أيضاً يكشف قيمنا. نحن لا نخاف إلا على ما نعدّه ثميناً: السمعة، المعنى، العلاقة، وحين نواجه الخوف، نعيد ترتيب سلم الأثمان. أيهما أولى، سلامة الصورة أم صدق التجربة؟ أحياناً نتعلق في الصورة حرصاً على القبول أو على اتساقٍ واهم، فنصير سجناء احترامٍ خارجيّ يمنحنا الأمان ويسلبنا الذات. إن المضي في ما نخاف هو إيثار للصدق على الوهم، وللنمو على الراحة.
على المستوى الوجودي، لا ضمان في الحياة، وما هي إلا مخاطرة مستمرة. حتى الامتناع هو قرار مخاطرة في ذاته؛ إنه يراهن على أن الثبات يحمي، مع أن الزمن نفسه يهز كل ثابت. إذاً نحن مخيّرون بين مخاطرتين. بين مخاطرة الحركة والجمود. الأولى تعرضنا للخطأ، والثانية تضمن لنا العطب البطيء. المضي قدماً في ما نخاف هو اعتراف بكياننا ككائنات ناقصة لا تكتمل إلا بالتجريب. النضج ليس ثمرة معرفة مسبقة، ولا يمكن أن يكون موروثاً بأي حالٍ من الأحوال. هو أثر جانبي لتكرار الاقتراب مما يربكنا!
وفي مناسبة الأمر. هناك بُعد معرفي أيضاً. فلا معرفة بلا تماس. القراءة والتفكير يمنحان الخرائط، ولكن الطريق لا يُختبر إلا بالمشي. كثير من المفاهيم تتبدل حين نضع أقدامنا في الحقول التي كنا نصفها من بعيد. إننا إذ نمضي نحو المخاوف، ننتقل من المعرفة التعريفية إلى المعايِشة، فنكتسب حكمة لا تُستعار من الكتب. الحكمة هنا ليست شعارات، بل حواسّ أدقّ لتمييز الخطر الحقيقي من الظلّ.
قد يُقال: ولماذا لا نكتفي بما نعرف ونرتاح؟ لأن الراحة حين تغدو غاية تبتلع المعنى. الراحة وسيط تمكّننا من الاستمرار، لكنها ليست سبب الاستمرار. المعنى يسكن في توتر خفيف بين ما نحن عليه وما نستطيع أن نكونه. الخوف يشير إلى هذا التوتر، والمضي عبره يحرّره من التكلس. إن تجنّب كل خوف يُطفئ هذا التوتر فيطفئ معه من نكون!
ومع ذلك، لا بد من إنصاف الخوف! إنه يحول بيننا وبين الهلاك. لذا فالحكمة ليست في نكرانه، بل في تمييز طبقاته. هناك خوف موضوعي من ضرر واضح، وهذا يُصغى إليه بجدية، وهناك خوف ذاتي من جرحٍ للأنا، وهذا غالباً ما يتضخم من سوء تأويل. المضي قدماً يعني أن نزن الخسائر على ميزان القيمة لا على ميزان الكبرياء وحده. فهل يمنعني الخوف من فعل يوافق قيمي؟ إن كان كذلك، فالتراجع استقالة من الذات!
المفارقة أن الخوف يتبدد حين نتحرك نحوه لا بعيداً عنه. الحركة تقطّع أوصال المخيلة المأسورة بالسيناريوهات. كل خطوة معلومة تقلّص مسافة الغموض، فتتحول الرهبة إلى قلق يمكن حمله. ومع التكرار، ينتقل الجهاز العصبي من حالة إنذار مزمن إلى مرونة مكتسبة. هكذا يغدو الخوف مادةً لبناء الاعتياد، لا سبباً للشلل.
ثم إن المضي قدماً في ما نخاف يمنحنا لغة مشتركة مع الآخرين. من يواجه مخاوفه يفهم هشاشة البشر على نحوٍ أعمق، فيتخفف من أحكامه ويتسع صدره للاختلاف. الشجاعة الحقيقية هي تجربة اجتماعية أكثر من أن تكون استعراضاً فردياً. إنها تُطمئن الآخرين إلى إمكان العبور، وتُذكّرهم أن الرجفة لا تنفي القيمة. إن مجتمع يتعلّم هذا النفس يقلّ فيه الابتزاز بالخوف وتزدهر فيه المحاولة.
وفي مستوى أعمق، الخوف امتحان للإيمان بمعناه الواسع. أي الإيمان بأن في العالم حيزاً يستقبل خطانا، وبأن للخطأ قابلية للإصلاح، وبأن الهشاشة ليست نقيض الكرامة بل شرطها. المضي قدماً هو تصويت يومي لهذا الإيمان. نحن لا نملك بطولة خارقة على هذا النحو، وإنما عادة صغيرة من عدم الهرب.
هنا. ليس لدي أي دعوة إلى الانتصار على كل خوف، في مقابل التأكيد على ألا يكون الخوف مقياساً لما هو ممكن. أن نمضي قدماً لا يعني أن نلغيه، وإنما نضعه في موضعه. حين نفعل ذلك، يتبدل سؤالنا من “لماذا أخاف؟” إلى “ماذا يكشف خوفي عن الطريق الذي عليّ أن أسلكه؟”. وهناك، في المسافة بين التردد والخطوة، تتشكل حياةٌ أوسع من قفص الأمان وأصدق من أساطير الشجاعة. هكذا نفهم أن طريقنا لا يمرّ حول الخوف، وإنما عبره؛ وهذا هو الباب الذي يفضي إلى أنفسنا الممكنة، وليس في الأمر أي قدرية!

