كيف نفكّر في الهدف دون أن نضيع في الوصول؟

أيها المسافر، خطواتك هي الطريق ولا شيء غيره؛ أيها المسافر، لا وجود للطريق، الطريق يُصنع بالمشي. Antonio Machado

هل نفكّر في الوصول أم في الهدف أولاً؟ يبدو السؤال بسيطاً، لكنه يختبر طريقتنا في التفكير. أنعتبر الغاية اسماً نهائياً جميلاً على الأفق، أم نرى الرحلة نسقاً يعلّم المسمّى لغته؟ حين نركّز على الهدف وحده نصنع صورة شديدة الصفاء قد ترهبنا بقدر ما تلهمنا؛ نخشى أن نقترب فنخدش النقاء الذي صنعناه بأيدينا. وحين نغرق في “البلوغ” وحده نبرع في خطوات لا نعرف إلى أي مكان تقود، فتغدو الحركة دوراناً حول مركز غير مُسمّى. كأن كل طرفٍ من السؤال يعيد الآخر إلى حجمه: الاسم يذكّر الطريق بسبب الحركة، والطريق ينقّي الاسم من زينته الفائضة.

ما نحتاجه، على الأرجح، هو طورٌ يسبق الهدف بقليل أو ربما علماً يسمى؛ “ما قبل الهدف”. نحتاج وضوحاً يكفي للإشارة إلى الاتجاه، وهامش يسمح للمعنى بأن يتنفّس ويتبدّل ونحن نقترب. فالهدف ليس نصاً مقدساً؛ إنه كلمة تكتسب دلالتها من سياقها، والسياق طريق يُمشى. لهذا لا تكون مراجعة الهدف على الطريق خيانة، هي علامة حياة؛ فالاسم يتعلّم من التعب ما لم يتعلّمه من الراحة.

والوصول، في جوهره، أكبر من جمع مسافات فحسب. نحن نعمل على صناعة خريطة. في الطريق تتخلّق العادات الصغيرة التي لا تُرى في البداية، ويتكوّن حس أدق بما يستحق الوقوف، وتكتشف الذات حدودها وحدود ما ظنّته نهائياً. هذه التفاصيل لا تزيّن الهدف، هي تستهدف أن تصير لغته ساعة الوصول. لذلك لا تأتي النهاية كنقطة جامدة، وإنما كجملة تستمد معناها مما سبقها. هنا نصل، ونجد أن الطريق أعاد كتابة العنوان بخط أوضح وأهدأ، حتى لو بقي الاسم هو الاسم.

صحيح أن الإغراء كبير لأن نحسم كل شيء مبكراً. فنكتب تعريفات دقيقة، وأرقام جامدة، وقائمة من المواعيد. تمنحنا هذه الدقة شعوراً بالسيطرة، لكنها قد تصير قسوة على واقع لم نختبره بعد. الأجدر أن نسأل. ماذا سيُضاف إلى اسمي إن وصلت؟ ما المعنى الذي يبرر مشقّة الطريق؟ فإذا عجز هذا المعنى عن الدفاع عن نفسه، فربما نحن أمام لافتة جذابة أكثر منا أمام كتاب يريد أن يُكتب. للدقّة أوانها، أما قبل ذلك فالهامش رحيم بالاحتمال.

ثم إن التفكير في “البلوغ” ليس سؤال الكيف فحسب؛ إنّه سؤال القابلية أيضاً. أي إنسان ينبغي أن أكونه لأحمل هذا الهدف دون أن أنهار تحته؟ لسنا أمام وصفة إرادية بقدر ما نحن أمام مسألة داخلية تتشكّل على مهل، ومرونةٌ تقبل التناقض، وإدراك أن المعنى يحتاج وقتاً ليصير جزءاً من الطباع. لا نريد غاية تصادمنا باسم الإنجاز، ولا راحة تطفئ المعنى باسم السلام.

يمكن تخيل الأمر كتاباً يتشكّل. الهدف عنوانه، والطريق أسلوب كتابته. ما نبتغيه تلك اللحظة التي يتفاهم فيها العنوان مع الجملة الأولى، فيتّسق الاسم مع الإيقاع، ويصير كل سطرٍ سبباً لبقاء العنوان فوق الغلاف لا زينة عليه. عندئذ لا يعود الهدف تمثالاً يجمّدنا، ولا تتحوّل الحركة إلى دوران بلا جهة؛ يصيران معاً سرداً واحداً نتعرف فيه إلى أنفسنا ونحن نمشي.

عندها يغدو السؤال الأوّل أقل حدة وأكثر خصوبة. لسنا مضطرّين إلى اختيار قاس بين “الهدف” و”البلوغ”. الأصدق أن نسأل. هل هدفي قابل لأن يُساق بأسلوب أقدر على حمله؟ أن أمنح الاسم حقه، وأمنح الطريق حقه أيضاً. وما دمت أقبل أن تتعدل الجملة قليلاً كلما لامست الواقع، سيبقى العنوان حياً لا يتكسر تحت أول خطوة. وهكذا، لا نضغط زرّ “إرسال” لأن النهاية مضمونة، نحن نفعلها لأننا نثق أن المعنى سيتشكّل على الطريق، ما دام الأفق مُسمى والإيقاع ممكناً، وما دمنا نحتمل تلك الرجفة الخفيفة التي تسبق الجملة قبل النقطة الأخيرة.