
تبدو بعض التحولات التي تطرأ على الجامعة، في ظاهرها، جزءاً من حركة مؤسسية مألوفة: كإعادة الترتيب، ومراجعة الأولويات، واستجابة لمتغيرات الاقتصاد، ومواءمة مع حاجات سوق العمل. غير أن الجامعة، وأي جامعة لا تتحرك، في مثل هذه اللحظات، داخل فراغ تقني خالص. فهي تحمل دائماً، من حيث تشعر أو لا تشعر، تصوراً ما عن المعرفة، وعن مراتبها، وعن الإنسان الذي يتلقى هذه المعرفة ويُعاد تشكيله من خلالها. ولهذا فإن الجدل الذي يثار حول إلغاء وإعادة هيكلة بعض التخصصات والأقسام في جامعة الملك سعود مؤخراً، لا يظل حبيس النقاش الإداري، لأنه يفتح باباً على سؤال أعمق: ما النموذج الكامن الذي يعيد اليوم ترتيب الحقول داخل الجامعة؟
هذا السؤال يكتسب أهميته من أن الجامعة ليست مجرد حديقة خلفية للشركات، وموضع لتوزيع المهارات، وإنما هي أهم المواقع التي يبلور فيها المجتمع صورته عن العقل، وعن النفع، وعن الغاية من التعليم ذاته. وفيها يتحدد، على نحو ضمني، ما الذي يحظى بشرعية المركز، وما الذي يُدفع إلى الأطراف، وما الذي يُنظر إليه بوصفه ضرورة، وما الذي يُعامل بوصفه عبئاً زائداً أو ترفاً يمكن الاستغناء عنه. ومن ثم فإن أي مساس بموقع العلوم الإنسانية، أو أي إعادة صياغة لمكانتها، يكشف في العادة عن تحول يتجاوزها إلى ما هو أوسع، إلى المرجعية التي تفسر القيمة، وتوزع الشرعية، وتمنح بعض المعارف حق البقاء.
وحين تتسع المرجعية النفعية المباشرة داخل الجامعة، لا يبقى أثرها محصوراً في ترتيب إداري أو في لغة تخطيطية عابرة. ما يحدث أعمق من ذلك، لأن المرجعية النفعية تتجاوز عادةً حدود أن تكون مجرد خياراً بين خيارات، إلى التمدد حتى تصبح معياراً شاملاً لقراءة المعرفة ذاتها. عندئذ تتحدد قيمة الحقل العلمي بقدر ما يقدمه من مردود مباشر، أو بقدر ما يثبت قابليته للترجمة الفورية إلى وظيفة، أو إلى مهارة قابلة للقياس، أو إلى إسهام سريع في الدورة الاقتصادية. وفي ظل هذا التمدد يضيق المجال الذي تتحرك فيه الأسئلة الكبرى، وتتراجع منزلة المعارف التي تعمل في منطقة أبطأ وأعمق من إيقاع السوق.
ومن هنا تكتسب العلوم الإنسانية هشاشتها المعاصرة. فالأمر لا يرتبط بضعف داخلي فيها بقدر ما يرتبط بطبيعة المعيار الذي يُستدعى للحكم عليها. هذه العلوم تتحرك في نطاق لا ينكشف أثره وفق الإيقاع الأداتي نفسه. فهي تشتغل على الذاكرة، وعلى اللغة، وعلى المعنى، وعلى التاريخ، وعلى البنية الرمزية التي يرى المجتمع من خلالها نفسه والعالم. وهي تبني في الإنسان قدرة على التأويل، والسرد، وعلى فهم الكلّيات، وعلى إدراك الفارق بين الوقائع الخام ودلالاتها الحضارية. هذا كله لا يظهر بسهولة في الجداول السريعة، ولا يستجيب مباشرة لمطلب العائد العاجل، مع أنه يشارك على مستوى أعمق في إنتاج إنسان قادر على الفهم، لا على الأداء وحده.
وهنا نصل إلى مسألتنا المركزية: إن كل اختزال للمعرفة يستبطن اختزالًا للإنسان. فحين يعاد تعريف التعليم من داخل مرجعية نفعية ضيقة، يتقدم إلى الواجهة نموذج مخصوص للإنسان؛ إنسان تتحدد قيمته بما يؤديه، وبسرعة تكيفه، وبقدرته على الاندماج في البنى القائمة، وبما يملكه من مهارات قابلة للتشغيل. ومع الزمن تتحول هذه الصورة إلى نموذج صامت يفرض نفسه على اللغة والمؤسسات والتوقعات العامة. وعندها يتراجع الإنسان بوصفه كائناً ذا تاريخ وضمير وخيال وسؤال أخلاقي، ويصعد الإنسان بوصفه وحدة وظيفية عالية الكفاءة.
هذا التحول لا يقع دفعة واحدة، ولا يحتاج إلى إعلان نظري صريح. يكفي أن تتغير اللغة التي تتكلم بها الجامعة عن نفسها. فحين تتكاثر مفردات المخرجات، والمواءمة، والمؤشرات، والجاهزية، والتنافسية، ينكمش بالتدريج معجم آخر كان يحفظ للتعليم عمقه الإنساني: التكوين، والوعي، والتأمل، والذاكرة، والنقد، والغاية. واللغة هنا حامل للنموذج المعرفي أكثر من مجرد وسيلة للتعبير. إنها تكشف نوع الإنسان الذي يُراد إنتاجه، ونوع العلاقة التي يراد أن تقوم بين المعرفة والعالم.
وفي هذا السياق يصبح موقع العلوم الإنسانية اختباراً حقيقياً لطبيعة الجامعة. فالمجتمع الذي يضيق بهذه العلوم يضيق، في العمق، بالأبعاد التي تحفظ للإنسان مركزيته. ذلك أن الفلسفة كما تضيف إلى الإنسان بعض المعلومات، فإنها توسع قدرته بشكلٍ أكبر على مساءلة البداهات. والتاريخ لا يزوده بخزان من الوقائع فحسب، وإنما يمنحه حساً بالزمن، وبالتراكم، وبأثر الماضي في الحاضر. والأدب يفتح في داخله مساحة للتعاطف والخيال وإدراك التعقيد الإنساني. وعلم الاجتماع يكشف له أن ما يبدو طبيعياً أو تلقائياً هو، في كثير من الأحيان، بناء تاريخي ومؤسسي قابل للفهم والنقد. وهذه كلها طاقات يصعب على المجتمع أن يستغني عنها إذا أراد أن يحافظ على شيء من التوازن بين القوة والوعي.
وتزداد الحاجة إلى هذا التوازن في عصرنا اليوم، عصر الذكاء الاصطناعي. فالعالم المعاصر لا يكتفي بإنتاج أدوات أكثر كفاءة، هو ينتج معها رؤى ضمنية عن الإنسان والعقل والقرار والقيمة. وكل نظام تقني يحمل في تكوينه تعريفات مسبقة لما يُحسب عقلانياً، وما يُعد انحرافاً، وما يمكن قياسه، وما يجوز إهماله. وإذا تراجع الوعي الفلسفي والتاريخي والاجتماعي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للتعامل مع هذه التعريفات كما لو كانت حقائق طبيعية أو قوانين محايدة. عندئذ تتسع القدرة على الاستخدام، بينما تضيق القدرة على الفهم؛ وتزداد المهارة التقنية، بينما يتراجع الحس النقدي الذي يرى الشروط الكامنة خلف التقنية ذاتها.
ومن هنا فإن النقاش حول الغاء أو إعادة هيكلة التخصصات لا يتصل بمجرد توزيع داخلي للموارد، ولا يقف عند حدود المفاضلة بين برامج أكثر وأقل طلباً. ما يجري في العمق هو إعادة ترتيب للخريطة المعرفية التي يتحدد داخلها معنى الإنسان نفسه. فإذا استقر في الوعي المؤسسي أن الحقول الجديرة بالحماية هي فقط تلك التي تُترجم بسرعة إلى منفعة مباشرة، فإننا نكون بإزاء انتقال وانزياح صامت من جامعة ترى الإنسان في كليته إلى جامعة تراه في بُعده الأداتي. وهذا انتقال حضاري بقدر ما هو تعليمي، لأنه ينعكس بعد حين في الثقافة العامة، وفي اللغة، وفي التنظيم، وفي طريقة تخيل المجتمع لمستقبله.
ولذلك لا ينبغي النظر إلى الدفاع عن العلوم الإنسانية بوصفه دفاعاً عن أقسام بعينها، ولا بوصفه حنيناً إلى ماضٍ أكاديمي مضى. المسألة تتصل بالبنية الداخلية للتعليم الحديث، وبالسؤال المتعلق بما إذا كانت الجامعة ستظل قادرة على إنتاج وعي نقدي يراقب المجتمع من داخله، أو ستتحول بالتدريج إلى مؤسسة متخصصة في إعادة إنتاج منطقه السائد. وفي الحالة الثانية تتقلص المسافة التي تسمح للجامعة بأن تكون عقلاً من عقول المجتمع، وتغدو أقرب إلى ذراع وظيفية داخل شبكة أوسع من الحاجات والمصالح والضرورات المباشرة.
إن الجامعة التي تُحسن إعداد الإنسان لسوق العمل، وتحسن في الوقت نفسه إعداد وعيه بتاريخ مجتمعه، وبأسئلته الأخلاقية، وبالبنى التي تشكل عالمه، تقترب من أداء وظيفتها الكاملة. أما حين ينفصل الإعداد عن الوعي، فإن الكفاءة نفسها تدخل في صورة من العمى الجزئي. فالإنسان قد يعرف كيف ينجز، من غير أن يعرف تماماً ما الذي يفعله إنجازه بالعالم من حوله؛ وقد يحسن إدارة الوسائل، من غير أن يملك تصوراً كافياً عن الغايات التي تمنح هذه الوسائل معناها.
ومن ثم فإن السؤال المطروح اليوم يتجاوز بكثير حدود الخبر المنشور في يومنا. إنه سؤال عن المرجعية التي تحكمنا، وعن الصورة الإنسانية التي تصوغها هذه المرجعية في المناهج والقرارات والأولويات. وأي مجتمع يسمح بانكماش التعليم إلى بعده الأداتي وحده، يفتح الباب تدريجياً لانكماش أوسع في وعيه بنفسه، وفي لغته العامة، وفي حساسيته الأخلاقية، وفي قدرته على رؤية الإنسان خارج معايير المنفعة.
وفي نهاية الأمر، تظل قيمة الجامعة مرتبطة بقدرتها على مقاومة هذا الانكماش. فالمجتمع يحتاج إلى المهارة، ويحتاج إلى التخصص، ويحتاج إلى التكيف مع شروط العصر، لكنه يحتاج كذلك إلى ما يحول دون ذوبانه الكامل في هذه الشروط. يحتاج إلى معرفة تبطئ الإيقاع قليلاً كي يرى، وتفكك المسلمات كي يفهم، وتعيد وصل الإنسان بما يتجاوز وظيفته المباشرة. وعند هذه النقطة تحديداً تظهر العلوم الإنسانية بوصفها ضرورة في صميم المشروع الجامعي، لا عنصراً هامشياً على أطرافه. لأنها تحرس، في النهاية، ما يتبقى من الإنسان حين تتكاثر الأدوات.

