
في مشهد ريادة الأعمال، وفي واقعنا، صار من السهل تمييز «المنفوخ» حتى قبل أن يبدأ بكلمة: تسمع الضجيج قبل أن ترى المنتج العملاق، وتقرأ العناوين البرّاقة قبل أن تعثر على سطر واحد يمكن التحقق منه. هذا النوع يتعامل مع السوق كمنصة عرض، ومع المستثمر كمتفرج في الصف الأول، ومع الفريق كجمهور للتصفيق. أرقامه «إن كانت بفعل دهاءه وذكاءه» تلمع في العروض التقديمية كأنها أضواء «بوليفارد»، لكنها تختفي عند أول سؤال بسيط عن منهج القياس. يحدثك عن «اختراق السوق»، «التموضع القيادي»، «التحوّل النوعي» بلهجة من يوزّع أوسمة، ثم إذا اقتربت خطوة واحدة إلى داخل التفاصيل وجدت الواقعية تتلو سورة الغياب: وثائق هشّة، تجربة مرتبكة، ومؤشرات أداء تُعدّل كل أسبوع على طريقة «فاز فريقنا لأننا غيّرنا شروط اللعبة بعد الصافرة».
ولأن النفخ سلوك قبل أن يكون نموذج عمل، يتمدد إلى الخارج، وفي طريقة النظر للعالم. فجأة، يصبح صاحب العرض المتوّهج «مثقفاً عضوياً» جاء من صالونات عصر التنوير وبقرار ذاتي: يحاضر في الاقتصاد والسوسيولوجيا، ويصدر فتاوى في الحقل الجيوسياسي وريادة التعليم، ويكتب مطوّلات عن «الهويَّة الإنتاجية» كأنه خرج للتو من مناظرة أكاديمية لا من جلسة تصوير مع أصحابه الذين يهتفون باسمه. يظن أن كثافة الظهور، وشهادة «الهتيفه» تكفي لصك الثقافة، وأن حفظ قاموس المصطلحات يعادل امتلاك أدوات الحكم وتقدير المواقف والتقييم. يقفز بخفة من قصة «الهايبر غروث» إلى حكم قاطع على سلوك المجتمعات، ومن خط بياني صاعد في شريحة إلى خلاصات كبرى عن «العقل العربي»، «والاستعداد الحضاري». عنده كل موضوع قابل للتبسيط: المعقد يُحل بقصاصة «انستغرامية»، والمختلف يُختزل في «إطار مرجعي» صنعه على عجل.
المنفوخ هنا لا يكتفي بالترويج لمنتجات السراب؛ يروّج لذاته كمرجعية فكرية تاريخية. ينصح ويقدّر ويقيّم في الفكر والأدب والكتب والمؤلفات والمنشورات وهو لم يكتب بحثاً أو ينشر دراسة أو يؤلف أو ينهِ كتاباً خارج فئة المقدمات وتلخيص المواعظ والتعليق على الأخبار، ويجادل في التقنيات والأساليب بمنطق صندوقه الصغير، ويزن الناس بميزان «القابلية للتبني» كأن المجتمع حملة تسويقية طويلة. وإذا سألته عن مصادره، ليس غريباً إذا قدم لنا روابط منشورات من حسابه نفسه. ثقافته دائرة مغلقة: يقتبس من صدى صوته، ثم يعيده إلينا باعتباره «إجماعاً». وحين يختلف معه أحد، يصبح الخلاف «دليلاً إضافياً على أنه سابق لعصره»، فكل نقد ونقاش عنده لا يثبت إلا عبقريته المؤجّلة.
لدينا اليوم بيئة جادّة تبني شركات حقيقية ومعرفة تراكمية، لكن المنفوخ يقترح طريقاً مختصراً: تعلّم نبرة الجزم قبل أدوات الفهم، واجعل التصفيق بديلاً عن البرهان والتحقيق. هكذا يتسرّب الوهم إلى العام: خطابات مقنّعة بملامح جادة، وحكم قطعية تطفو على سطح هشّ من المصطلحات. لا مشكلة في الحلم الكبير، ولا غضاضة في أن يجرّب رائد الأعمال كتابته وفكرته؛ المشكلة حين يظن أن منصة العرض تساوي منبراً معرفياً، وأن العدد الكبير من المتابعين أو المشاهدات يلغي الحاجة إلى المتن. في النهاية، الثقافة ليست ميكروفوناً إضافياً، بل مسؤولية وزن الكلمات بميزان أثقل من «الوصول»، «والانطباع»، وأكبر من ساعات لياقة صباح كل سبت، ووجبات صحيّة تقرع جرس منزله كل مساء. ومن يخلط بين بريق الواجهة وعمق المعرفة سينتهي كعادته إلى إنجاز يمكن قياسه بسهولة: حجم الصدى. أما الصوت نفسه، فغالباً ما يتبيّن أنه لم يخرج بعد من قاعة الاختبار، ومجموعات «الهتيفه».

