بين الذعر والحتمية: قراءة في فصل 14 ألف موظف بسبب الذكاء الاصطناعي!

انتشر خبر فصل 14 ألف موظف ضمن خطة قد تمتد إلى 30 ألفاً بدعوى التوسّع في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كشرارة نقاش واسعة. وردّ الفعل كان مألوفاً: خوف يخلط خبر اليوم بنبوءة الغد. لكن سؤال المقال ليس عن الذعر ولا عن وعد الخوارزمية، بل عن طبيعة التغيّر ذاته: ماذا يتبدّل في بنية العمل؟ وكيف نضع هذا التبدّل في سياقه المهني والتاريخي دون تهويل ولا طمأنة مجانية؟

منذ الثورة الصناعية، والمكننة، وصولاً إلى الرقمنة؛ تعلّمنا أن “العمل” لا ينقرض، بل يعاد توزيع قيمته. كما يثبت ذلك عبر الموجات الكبرى، والتي أزاحت مهاماً وخلقت أخرى، بينما يتمركز الألم في فجوة العبور: تلك المسافة بين تراجع الطلب على مهارات قائمة وبطء تشكّل الطلب على مهارات بديلة. الجديد اليوم أن الأتمتة تطال مساحة معرفية واسعة: تلخيص، فرز، توليد مسودات، رصد الأنماط، وحتى كتابة أكواد معيارية. ومع ذلك، يبقى ما يعاند الاستبدال: الحكم الأخلاقي، التفاوض المركّب، مسؤولية القرار، وصياغة السؤال لا مجرد حلّه. هنا تتضح الحقيقة المهنية البسيطة: الوظيفة ليست قالباً جامداً، بل حزمة مهام متفاوتة القابلية للأتمتة. وما يجري في العادة هو التفكيك وإعادة التركيب.

حين تُفكَّك الوظائف، يتقلّص الروتيني إلى الحدّ الأدنى، ويظهر دور هجين يربط الإنسان بالآلة في سلسلة قيمة واحدة. هذا ليس “تسريعاً” للأداة فحسب، بل تغيير في قاموس القيمة: من حساب الجهد والزمن إلى وزن المخرجات وقابليتها للتكرار والتحقق. وبقدر ما يبدو هذا منطقي اقتصادياً، فإنه يعيد تعريف ما يُعَدُّ عملاً وما يُحتسب “مدخلاً مجانياً” للنموذج، ويضغط تبعاً لذلك على خرائط الأجور والحوافز ومعايير الكرامة المهنية. لذا. إن تُركت الدفّة لمؤشرات السرعة والكلفة وحدها، ترحّلت الكلفة الاجتماعية إلى العاملين. وإن أدخلنا معايير مكملة؛ كالمساءلة، والإنصاف، والأثر الاجتماعي، وجودة الخبرة: استعاد المسار توازنه وهدوءه على المدى الأطول.

على مستوى المؤسسات، لسنا بحاجة إلى خطاب معادٍ للتقنية، ولا إلى تركها تتسيّد بلا ضوابط. ما نحتاجه إطار يصون كرامة العمل، ويضمن عبوراً عادلاً، كما يحوّل وفورات الأتمتة إلى منفعة عامَّة. جوهر هذا الإطار معروف وإن اختلفت صياغاته: حق انتقالي في التعلّم تموّله الوفورات ذاتها، وشفافية مبكرة في تفكيك المهام وجدولة الأتمتة، وأدوار هجينة مؤقتة تُصمَّم لنقل المعرفة الضمنية وصون الجودة، بالإضافة إلى حوكمة دقيقة لتفويض القرار الآلي تُبقي إنساناً مسؤولاً في نهاية الحلقة، ومقاييس جودة تتخطى السرعة والكلفة إلى الرضا والإنصاف واستدامة المهارة. لماذا نقول ذلك؟ هذا ليس ترفاً أخلاقياً؛ إنه ما يجعل الكفاءة قابلة للاستمرار بدل أن تنقلب إلى غاية تلتهم نفسها.

أما على مستوى الأفراد. لا تُختزل المسألة في دورة تدريبية سريعة؛ فالكفاءة لم تعد مجرد إتقان خطوات عمل محفوظة؛ فهذه أول ما تلتهمه الآلة، بل القدرة على تعريف المشكلة بدّقة، واختيار الأداة المناسبة، وتدقيق المخرجات، وتحمل مسؤولية القرار؛ وهي مساحة ذات قيمة أعلى وهشاشة أقل. ويرافق ذلك محو أميّة في الذكاء الاصطناعي بفهم القدرات والحدود، وإتقان أساليب التحقق، ورصد الانحيازات المحتملة، فليس هذا زخرفة معرفية بل بوصلة عملية تجنّب الإفراط في الثقة كما تبعد عن الإفراط في الريبة. وإلى جانب المهارة والمعرفة، يبقى رأس المال الاجتماعي؛ أي الثقة، والتعاون متعدد التخصصات، والسمعة المهنية بمثابة رصيد عصيّ على الأتمتة، ويضاعف أثر الأدوات ويفتح فرصاً تعجز الخوارزميات عن تبينها في الفراغ.

لذا. فإن ما يبقى هو أن نحسم موقعنا بين سرديتين مضللتين: حتمية سوداء ترفع اليد عن القرار باسم “لا مفرّ”، وطمأنة ساذجة تنكر حجم الفجوة الانتقالية. ما نحتاجه هو واقعية نقدّية تعترف بعمق التحوّل دون أن تسلّم له بالمُطلق، وتراهن على قدرة السياسات والاختيارات اليومية؛ وذلك في الشركات كما لدى الأفراد، وعلى تشكيل المسار.

اليوم نحن. لسنا أمام قصة “استبدال” بسيطة ولا أمام تعويذة تفاؤلية. نحن في مسار تحوّلي جديد يعمل على إعادة توزيع للمهام واعادة تعريف لمعنى العمل. والرهان المزدوج هو: سياسات تعترف بالكلفة وتوزعها بعدل، ومهارات تُعاد صياغتها لتضع الإنسان في موضع تعريف المسألة لا مجرد تنفيذ الحل. فالتاريخ لا يضمن نهاية سعيدة، لكنه يذكّر بأمرين ثابتين: أن العمل يتغيّر ولا ينتهي، وأن عدالة العبور ليست رفاهية أخلاقية، بل شرط لبقاء الكفاءة نفسها. لذا. وفيما بين رقم “14–30 ألف” ووجوه من يمثّلهما، تُبنى أو تُهدم الثقة؛ والثقة، في نهاية المطاف، هي التقنية الاجتماعية التي لا يعمل سوق العمل دونها.